بِنَاءُ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ الْقَوِيَّةِ وَحِمَايَتُهَا
((بِنَاءُ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ الْقَوِيَّةِ وَحِمَايَتُهَا))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((الْهَدَفُ مِنْ خَلْقِ الْخَلْقِ وَإِقَامَةِ الْمُجْتَمَعَاتِ
عِبَادَةُ اللهِ وَتَوْحِيدُهُ))
فَلَا شَكَّ أَنَّ أَعْظَمَ أَمْرٍ يَنْبَغِي عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُرَاعِيَهُ هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِأَجْلِهِ، وَأَوْجَدَهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لِتَحْقِيقِهِ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللهِ؛ لِأَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- لَمَّا ذَكَرَ خَلْقَ الْجِنِّ وَالْإِنْسَانِ؛ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَا خَلَقَهُمَا إِلَّا لِيَعْبُدُوهُ، إِلَّا لِيُوَحِّدُوهُ، إِلَّا لِيَتَّقُوهُ، إِلَّا لِيَأْخُذُوا بِمَنْهَجِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي كُلِّ مَا آتَاهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهِ مِنْ أَمْرٍ، وَيَنْتَهُوا عَنْ كُلِّ مَا نَهَاهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنْهُ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ كِتَابًا وَسُنَّةً.
وَلَا شَكَّ أَنَّ تَحْقِيقَ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَلَقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَالَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَلَقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْخَلْقَ، وَنَصَبَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَذَا الْكَوْنَ قَائِمًا مُشَاهَدًا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَتَفَرُّدِهِ وَصَمَدَانِيَّتِهِ.
لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا التَّحَقُّقَ مِنْ هَذَا الَّذِي أَرَادَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ خَلْقِهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ أَمْرٌ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- لَا يُكَلِّفُ إِلَّا بِمَا يُسْتَطَاعُ، لَا يُكَلِّفُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا، وَلَا يُرِيدُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالنَّاسِ عُسْرًا وَلَا حَرَجًا، وَإِنَّمَا رَفَعَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنِ النَّاسِ الْحَرَجَ.
فَالْأَمْرُ سَهْلٌ قَرِيبٌ مِنْ قَرِيبٍ، وَاللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ- أَرْسَلَ إِلَيْنَا نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ بِدِينٍ كَامِلٍ شَامِلٍ، بِدِينٍ عَظِيمٍ، لَا يُدَانِيهِ دِينٌ، وَلَا تُقَارِبُهُ مِلَّةٌ وَلَا نِحْلَةٌ.
دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ هُوَ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ يَمُنُّ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهَا عَلَى الْخَلْقِ، وَلَوْلَا الدِّينُ فِي الْأَرْضِ مَا كَانَ هُنَاكَ رِعَايَةٌ لِعِرْضٍ وَلَا شَرَفٍ، وَلَا كَانَتْ هُنَاكَ رِعَايَةٌ لِحُرْمَةِ مَالٍ وَلَا دَمٍ وَلَا نَفْسٍ، وَلَكِنْ كُلُّ مَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ مِنْ صِيَانَةٍ لِهَذِهِ الْحُقُوقِ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى النَّاسِ فِي الْأَرْضِ بِوَاسِطَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ حَتَّى خَتَمَهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ.
((شَرَعَ اللهُ الزَّوَاجَ لِتَكْوِينِ أُسَرٍ يَخْرُجُ مِنْهَا نَشْءٌ مُوَحِّدٌ للهِ))
وَاللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ الزَّوَاجَ -وَهُوَ أَسَاسُ تَكْوِينِ الْأُسْرَةِ- لِلْاسْتِمْتَاعِ، يَسْتَمْتِعُ كُلُّ وَاحِدٍ بِصَاحِبِهِ فِي حُدُودِ مَا أَنْزَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَتُقْضَى الشَّهْوَةُ، وَيُحْفَظُ النَّسْلُ، وَيَتَرَبَّى الْأَبْنَاءُ فِي الْبِيئَةِ الصَّحِيحَةِ السَّلِيمَةِ الْمُحَافِظَةِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَخْرُجَ نَشْءٌ يُوَحِّدُ اللهُ وَيَتَّبِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ.
فَيَحْصُلُ فِي اجْتِمَاعِ الزَّوْجَيْنِ قِيَامُ الْبَيْتِ وَالْأُسْرَةِ، الَّذِي هُوَ نَوَاةُ قِيَامِ الْمُجْتَمَعِ وَصَلَاحِهِ.
فَالزَّوْجُ يَكِدُّ وَيَكْدَحُ وَيَتَكَسَّبُ، فَيُنْفِقُ وَيَعُولُ.
وَالْمَرْأَةُ تُدَبِّرُ الْمَنْزِلَ، وَتُنَظِّمُ الْمَعِيشَةَ، وَتُرَبِّي الْأَطْفَالَ، وَتَقُومُ بِشُئُونِهِمْ. وَبِهَذَا تَسْتَقِيمُ الْأَحْوَالُ، وَتَنْتَظِمُ الْأُمُورُ.
وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا عَمَلًا كَبِيرًا، لَا يَقِلُّ عَنْ عَمَلِ الرَّجُلِ فِي خَارِجِهِ، وَأَنَّهَا إِذَا أَحَسَّتِ الْقِيَامَ بِمَا نِيطَ بِهَا فَقَدْ أَدَّتِ لِلْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ خَدَمَاتٍ كَبِيرَةً جَلِيلَةً.
((الْحَثُّ عَلَى تَكْوِينِ الْأُسْرَةِ الصَّالِحَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ))
*أَوَّلًا: فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:
اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ هَذَا الْكَوْنَ مَبْنِيًّا عَلَى قَانُونٍ لَا يَتَخَلَّفُ، وَهُوَ قَانُونُ الزَّوْجِيَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49].
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ فِي الْكَوْنِ خَلَقْنَا صِنْفَيْنِ، نَوْعَيْنِ مُخْتَلَفَيْنِ؛ فِي النَّاسِ، وَالنَّبَاتَاتِ، وَالْكَهْرُبَاءِ، وَالْمَغْنَاطِيسِ، وَالذَّرَّاتِ، نُبَيِّنُ لَكُمْ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ التَّكْوِينِيَّةَ، رَاغِبِينَ أَنْ تَضَعُوهَا فِي ذَاكِرَتِكُمْ أَيُّهَا الْمُتَلَقُّونَ الْمُتَدَبِّرُونَ.
وَكُلَّمَا اكْتَشَفْتُمْ وُجُودَ نِظَامِ الزَّوْجِيَّةِ فِي شَيْءٍ، وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ خَفِيًّا عَلَيْكُمْ؛ تَذَكَّرْتُمْ هَذَا الْبَيَانَ: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ}، فَعَلِمْتُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْ لَدُنْهُ، وَعَلِمْتُمْ أَنَّ خَالِقَ الْأَزْوَاجِ فَرْدٌ لَا نَظِيرَ، وَلَا شَرِيكَ مَعَهُ.
وَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [النجم: 45].
وَأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ -مِنْ كُلِّ حَيٍّ-.
وَقَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ! احْذَرُوا أَمْرَ رَبِّكُمْ أَنْ تُخَالِفُوهُ إِذَا أَمَرَكَمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، الَّذِي خَلَقَ السُّلَالَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ مُشْتَقَّةً مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَخَلَقَ مِنْ آدَمَ زَوْجَهُ حَوَّاءَ، وَنَشَرَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ وَحَوَّاءَ بِالتَّنَاسُلِ رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً كَثِيرَاتٍ.
*الْأُسْرَةُ الصَّالِحَةُ تُبْنَى عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ:
قَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
وَمِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى عَظَمَتِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ جِنْسِكُمْ -أَيَّهَا الرِّجَالُ- أَزْوَاجًا؛ لِتَمِيلُوا إِلَيْهِنَّ وَتَأْلَفُوهُنَّ، وَتُصِيبُوا مِنْهُنَّ مُتْعَةً وَلَذَّةً، وَجَعَلَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ نَوْعًا مِنَ الْحُبِّ الْهَادِئِ الثَّابِتِ، وَعَاطِفَةٍ نَفْسِيَّةٍ تَدْفَعُكُمْ إِلَى الْعَطَاءِ وَالْمُسَاعَدَةِ، وَمُشَارَكَةِ الْمَعْطُوفِ فِي آلَامِهِ وَآمَالِهِ.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لِعَلَامَاتٍ مُتَعَدِّدَاتٍ جَلِيلَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ تَفْكِيرًا عَمِيقًا مُتَأَنِيًّا فِيمَا خَلَقَ اللهُ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ مِنْ مَوَدَّةٍ وَرَحْمَةٍ وَسَكَنٍ نَفْسِيٍّ.
*حَثُّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى بِنَاءِ الْأُسْرَةِ الصَّالِحَةِ فِي سُنَّتِهِ الْمُطَهَّرَةِ:
فَقَالَ ﷺ: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ)) .
وَقَالَ ﷺ: ((تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا، فَإِنِّي مُبَاهٍ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) .
وَقَالَ ﷺ: ((النِّكَاحُ سُنَّتِي فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) .
((مُرَاعَاةُ حُقُوقِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ مِنْ أَسْبَابِ صَلَاحِ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ))
إِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ تَقَابُلَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ أَمْرٌ مُسْتَقِرٌّ، فَمَا مِنْ حَقٍّ إِلَّا وَفِي مُقَابَلَتِهِ وَاجِبٌ، وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ يُقَابِلُهُ الْحَقُّ، وَكَمَا أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ لِلرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ حَقًّا -وَهُوَ حَقٌّ كَبِيرٌ-، كَذَلِكَ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا حَقًّا.
*أَوَّلًا: حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ:
عَلَى نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْلَمْنَ أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ أَزْوَاجَهُنَّ مِنْحَةً وَمِحْنَةً.
وَالنَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ اطَّلَعَ فِي النَّارِ فَوَجَدَ أَكْثَرَ آلِهَا النِّسَاءَ، يَكْفُرْنَ، وَقَالَتْ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَكْفُرْنَ بِاللهِ؟
قَالَ: ((لَا، يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَحْسَنَ إِلَى امْرَأَتِهِ أَرْبَعِينَ سَنَّةً، ثُمَّ أَسَاءَ إِلَيْهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، قَالَتْ: مَا وَجَدْتُ مِنْكَ إِحْسَانًا قَطُّ)) .
وَمُعَاذٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لَمَّا ذَهَبَ إِلَى الْيَمَنِ، وَعَادَ وَأَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: ((مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟))
فَأَخْبَرَ مُعَاذٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ رَأَى أَقْوَامًا يَسْجُدُونَ لِبَطَارِقَتِهِمْ، وَأَنْتَ أَحَقُّ وَأَوْلَى.
فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ السُّجُودَ لَا يَكُونُ إِلَّا للهِ، قَالَ: ((وَلَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا؛ لِعَظِيمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا)) .
وَأَقْسَمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ مَفْرِقِ رَأْسِهِ إِلَى أَخْمَصِ قَدَمِهِ قُرْحَةٌ تَبُضُّ قَيْحًا وَصَدِيدًا، فَاسْتَقْبَلَتْهُ فَلَعَقَتْهُ بِلِسَانِهَا، مَا وَفَّتْهُ حَقَّهُ عَلَيْهَا .
وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِامْرَأَةٍ يَوْمًا: ((أَلَكِ بَعْلٌ؟))
فَأَجَابَتْ بِالْإِيجَابِ.
فَقَالَ: ((انْظُرِي كَيْفَ أَنْتِ لَهُ، فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ أَوْ نَارُكِ)) .
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا بَيَّنَهُ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ حَقِّ الرَّجُلِ عَلَى امْرَأَتِهِ.
وَالرَّسُولُ ﷺ عَلَّقَ دُخُولَ الْمَرْأَةِ الْجَنَّةَ عَلَى رِضَا زَوْجِهَا عَنْهَا، فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا؛ دَخَلَتْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَتْ)) .
فَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُطِيعَ زَوْجَهَا فِيمَا يَأْمُرُهَا بِهِ فِي حُدُودِ اسْتِطَاعَتِهَا؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَضَّلَ الرِّجَالَ عَلَى النِّسَاءِ، وَجَعَلَ الْقَوَامَةَ لِلرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَلِذَلِكَ الْمَرْأَةُ ((لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ -يَعْنِي: حَاضِرٌ غَيْرُ مُسَافِرٍ- إِلَّا بِإِذْنِهِ غَيْرَ رَمَضَانَ -إِلَّا الْفَرْضَ-, وَلَا تَأْذَنُ فِي بَيْتِهِ لِأَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ)) ، وَ((إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانًا عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ)) . وَفِي رِوَايَةٍ : ((لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا)).
فَلَوْ طَلَبَهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَا يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَأَهْلِهِ وَهِيَ عَلَى رَحْلِ بَعِيرٍ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ عَلَيْهِ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ لَا تُؤْذِيهِ قَاتَلَكِ اللَّهُ فَإِنَّمَا هُوَ دَخِيلٌ يُوشِكَ أَنْ يُفَارِقَ إِلَيْنَا )) .
يَعْنِي هِيَ لَا تُقَصِّرُ فِي طَاعَتِهِ شَيْئًا إِلَّا مَا عَجَزَتْ عَنْهُ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَخْدُمَ زَوْجَهَا عَلَى قَدْرِ اسْتِطَاعَتِهَا.
ثَانِيًا: حُقُوقُ الزَّوْجَةِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى زَوْجِهَا:
وَفِي مُقَابِلِ هَذَا الْحَقِّ الْعَظِيمِ، لِلرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ وَاجِبٌ أَيْضًا، وَهُوَ وَاجِبٌ عَظِيمٌ، يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي)).
فَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ خَلَقَ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَزْوَاجًا نَسْكُنُ إِلَيْهَا، وَجَعَلَ الْمَوَدَّةَ وَالرَّحْمَةَ دَوْحَةً نَسْتَظِلُّ بِهَا.
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)).
وَالْحُقُوقُ الزَّوْجِيَّةُ عَظِيمَةٌ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَمُورٌ كَبِيرَةٌ:
قَالَ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
وَالْمَرْأَةُ عِنْدَ الرَّجُلِ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، هَلْ أَدَّى إِلَيْهَا حَقَّهَا أَمْ فرَّطَ وَضَيَّعَ؟
قَالَ ﷺ: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائقُ الرِّجَال» . أَخرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ.
وَقَالَ ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- : «وَفِي هَذَا الْحَديثِ مُلَاطَفَةُ النِّسَاءِ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِنَّ, وَالصَّبْرُ علَى عِوَجِ أَخْلَاقِهِنَّ, وَاحْتِمَالُ ضَعْفِ عُقُولِهِنَّ, وَكَرَاهِيَةُ طَلَاقِهِنَّ بِلَا سَبَبٍ, وَأنَّهُ لَا يُطْمَعُ بِاسْتِقَامَتِهَا وَاللهُ أَعلَم».
وَقَالَ ﷺ: «لا يَفْرِكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ». رَوَاهُ مُسلِمٌ .
قَالَ النَّوَوِيُّ ﷺ : «أَيْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْغِضهَا، لِأَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يُكْرَهُه وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يَرْضَاهُ, بِأَنْ تَكُون شَرِسَةَ الْأَخلَاقِ لَكِنَّهَا دَيِّنَةٌ أَوْ عَفِيفَةٌ أَوْ رَفِيقَةٌ بِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ».
*وَمِنْ حُقُوقِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا: إِعْطَاؤُهَا حُقُوقَهَا، وَعَدَمُ بَخْسِهَا:
فَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ زَوْجِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟
فَقَالَ ﷺ: ((أَنْ يُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمَ، وَيَكْسوَهَا إِذَا اكْتَسَى، وَلَا يَضْرِبَ الْوَجْهَ، وَلَا يُقَبِّحَ، وَلَا يَهْجُرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ)). وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَه .
وَقَوْلُهُ ﷺ: ((وَلَا يُقَبِّحَ)): يَعْنِي لَا يَقُولُ لَهَا: قَبَّحَكِ اللهُ.
فَبَعْضُ النَّاسِ يَأْخُذُهُ الْكَرَمُ وَالسَّخَاءُ مَعَ الْأَصْدَقَاءِ وَالرُّفَقَاءِ وَيَنْسَى حَقَّ الزَّوْجَةِ، مَعَ أَنَّ الْمَرْءَ يُؤْجَرُ عَلَى إِنْفَاقِهِ فِي بَيْتِهِ، كَمَا رَوَى ذَلِكَ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: ((دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ -يعني عِتْقًا-، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
هَذَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، لَا أَنْ يَكُونَ مَتَاعًا زَائِدًا مَعَ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى هَذَا الدِّينَارِ الَّذِي يُنْفَقُ فِي تَرَفٍ وَيُوضَعُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
وَآخَرُونَ اتَّخَذُوا ضَرْبَ زَوْجَاتِهِمْ مِهْنَةً، فَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ عَنْهَا، وَعَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- تَقُولُ: ((مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ لَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
وَالرَّسُولُ ﷺ هُوَ الْقُدْوَةُ وَهُوَ الْمَثَلُ.
وَآخَرُونَ مِنَ الرِّجَالِ اتَّخَذُوا الْهَجْرَ عُذْرًا، وَاتَّخَذُوهُ طَرِيقًا لِأَيِّ سَبَبٍ وَحَتَّى وَإِنْ كَانَ تَافِهًا، وَرُبَّمَا هَجَرَ الْمِسْكِينَةَ شُهُورًا؛ لَا يُكَلِّمُهَا وَلَا يُؤَانِسُهَا، وَقَدْ تَكُونُ غَرِيبَةً عَنْ أَهْلِهَا، أَوْ شَابَّةً صَغِيرَةً يُخْشَى عَلَى عَقْلِهَا مِنْ الْوَحْدَةِ وَالتَّفَرُّدِ وَالْوَحْشَةِ، فَهَؤُلَاءِ فِي جَانِبٍ وَسُنَّةُ الرَّسُولِ ﷺ فِي جَانِبٍ.
*وَمِنْ حُقُوقِهَا: تَعْلِيمُهَا الْعِلْمَ الشَّرْعِيَّ وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الْعِبَادَاتِ، وَحثُّهَا عَلَى ذَلِكَ:
قَالَ تَعَالَى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [الأحزاب: 34].
قَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ -أُمُّنَا عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَعَنْ أَبِيهَا-: ((نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا، وَمُسْلِمٌ مَوْصُولًا .
وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُتَابِعَ تَعْلِيمَهَا الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ وَالسُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ بِنَفْسِهِ، وَيُشجِّعَهَا وَيُعِينَهَا عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ، قَالَ تَعَالَى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132].
وَقَالَ ﷺ: ((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ -وَالنَّضْحُ: أَنْ تَغْمِسَ أَصَابِعَكَ فِي الْمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُ هَذَا الْمَاءَ فِي وَجْهِهَا، لَا أَنْ تَأْتِيَ بِالْمَاءِ فَتَجْعَلُهُ عَلَى رَأْسِهَا سَكْبًا!!-، وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ وَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ)) . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَه، وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِيهِ عَلَاقَةٌ شَفِيفَةٌ، فِيهَا الْحِرْصُ، وَفِيهَا الْأُلْفَةُ وَالْمَوَدَّةُ، وَفِيهَا الْأَدَاءُ الْحَسَنُ بِالتَّلَصُّصِ عَلَى سُبُلِ الْمَشَاعِرِ الْمَدْفُونَةِ مِنْ أَجْلِ إِخْرَاجِهَا لَتْزَكَوَ بَعْدُ وَتَزْدَهِرُ.
*وَمِنْ حُقُوقِهَا: مُعَامَلَتُهَا الْمُعَامَلَةَ الْحَسَنَةَ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى شُعُورِهَا، وَتَطْيِيبُ خَاطِرِهَا:
قَالَ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَزِيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي)) ؛ يَعْنِي: زَوْجَتَهُ؛ لِأَنَّ اللهَ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228].
وَمِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ الَّتِي انْتَشَرَتْ فِي أَوْسَاطِ بَعْضِ الْأُسَرِ الْمُسْلِمَةِ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ فِي تِلْكَ الْمُعَامَلَةِ الْحَسَنَةِ الَّتِي أُمِرْنَا بِهَا: بَذَاءَةُ اللِّسَانِ، وَتَقْبِيحُ الْمَرْأَةِ خِلْقَةً وَخُلُقًا، وَالتَّأَفُّفُ مِنْ أَهْلِهَا بِذِكْرِ نَقَائِصِهِمْ وَعُيُوبِهِمْ، مَعَ سَبِّهَا وَشَتْمِهَا وَمُنَادَاتِهَا بِالْأَسْمَاءِ وَالْأَلْقَابِ الْقَبِيحَةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: إِظْهَارُ النُّفُورِ وَالِاشْمِئْزَازِ مِنْهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: تَجْرِيحُهَا بِذِكْرِ مَحَاسِنِ نِسَاءٍ أُخَرَ، وَأَنَّهُنَّ أَجْمَلُ وَأَفْضَلُ، وَأَحْلَى وَأَكْمَلُ، وَذَلِكَ يُكَدِّرُ خَاطِرَهَا فِي أَمْرٍ لَيْسَ لَهَا فِيهَا يَدٌ.
وَمِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى شُعُورِ الزَّوْجَةِ، وَمِنْ إِكْرَامِهَا: مُنَادَاتُهَا بِأَحَبِّ أَسْمَائِهَا إِلَيْهَا، وَإِلْقَاءُ السَّلَامِ عَلَيْهَا حِينَ دُخُولِ الْمَنْزِلِ، وَالتَّوَدُّدُ إِلَيْهَا بِالْهَدِيَّةِ وَالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ.
وَمِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَطِيبِ الْمُعَاشَرَةِ: عَدَمُ تَصَيُّدِ أَخْطَائِهَا وَمُتَابَعَةِ زَلَّاتِهَا، بَلْ الْعَفْوُ، وَالصَّفْحُ، وَالتَّغَاضِي، خَاصَّةً فِي أُمُورٍ تَجْتَهِدُ فِيهَا وَقَدْ لَا تُوَفَّقُ فِي أَدَائِهَا، فَتَأَمَّلْ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ: ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ .
*وَمِنْ حُقُوقِ الْمَرْأَةِ أَيْضًا عَلَى زَوْجِهَا: الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا مِنَ الْفَسَادِ وَمِنْ مَوَاطِنِ الشُّبَهِ، وَإِظْهَارُ الْغَيْرَةِ عَلَيْهَا، وَحَثُّهَا عَلَى الْقَرَارِ فِي الْبَيْتِ، وَإِبْعَادُهَا عَنْ رَفِيقَاتِ السُّوءِ، وَالْحِرْصُ عَلَى أَلَّا تَذْهَبَ إِلَى الْأَسْوَاقِ، وَإِنْ ذَهَبَتْ فَاذْهَبْ مَعَهَا.
وَلَا تَدَعْهَا تُسَافِرُ بِدُونِ مَحْرَمٍ، وَاسْتَشْعِرْ أَنَّ هَذِهِ أَمَانَةٌ عِنْدَكَ وَأَنْتَ مَسْئُولٌ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئولٌ عَنْ رَعِيِّتِهِ)) .
*وَمِنْ حُقُوقِهَا: إِعْفَافُهَا، وَتَلْبِيَةُ حَاجَاتِهَا: فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْفَظُهَا، فَهُوَ يُغْنِيهَا عَنِ التَّطَلُّعِ إِلَى غَيْرِهِ، وَاحْرِصْ عَلَى إِشْبَاعِ حَاجَاتِهَا الْعَاطِفِيَّةِ بِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالثَّنَاءِ الْحَمِيدِ، وَاقْتَطِعْ مِنْ وَقْتِكَ لَهَا، وَاجْعَلْ لِبَيْتِكَ نَصِيبًا مِنْ بَشَاشَتِكَ وَدَمَاثَةِ خُلُقِكَ.
*إِجْمَالُ حُقُوقِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَآثَارُ مُرَاعَاتِهَا فِي حِمَايَةِ الْأُسْرَةِ:
وَالْخُلَاصَةُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ هَذِهِ الْحُقُوقِ -حُقُوقِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ- وَالْقِيَامِ بِهَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ؛ لِتَتِمَّ بِهِ النِّعْمَةُ، وَتَتَحَقَّقَ السَّعَادَةُ، وَيَصْفُوَ الْعَيْشُ، وَهِيَ أَنْ يَقُومَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِمَا لِصَاحِبِهِ مِنْ حُقُوقٍ، وَيُرَاعِي مَا لَهُ مِنْ وَاجِبَاتٍ.
فَمِنَ الزَّوْجِ: الْقِيَامُ بِالْإِنْفَاقِ، وَمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ كِسْوَةٍ وَمَسْكَنٍ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْ يَكُونَ طَيِّبَ النَّفْسِ، وَأَنْ يُحْسِنَ الْعِشْرَةَ بِاللُّطْفِ وَاللِّينِ، وَالْبَشَاشَةِ وْالْأُنْسِ، وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ.
وَعَلَيْهَا أَنْ تَقُومَ بِخِدْمَتِهِ وَإِصْلَاحِ بَيْتِهِ، وَتَدْبِيرِ مَنْزِلِهِ وَنَفَقَتِهِ، وَتُحْسِنُ إِلَى أَبْنَائِهِ وَتُرَبِّيهِمْ، وَتَحْفَظُهُ فِي نَفْسِهَا وَبَيْتِهِ وَمَالِهِ، وَأَنْ تُقَابِلَهُ بِالطَّلَاقَةِ وَالْبَشَاشَةِ وَتُهَيِّئَ لَهُ أَسْبَابَ رَاحَتِهِ، وَتُدْخِلَ عَلَى نَفْسِهِ السُّرُورَ، لِيَجِدَ فِي بَيْتِهِ السَّعَادَةَ وَالِانْشِرَاحَ وَالرَّاحَةَ، بَعْدَ نَصَبِ الْعَمَلِ وَتَعَبِهِ.
فَإِذَا قَامَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِمَا لِصَاحِبِهِ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ، صَارَتْ حَيَاتُهُمَا سَعِيدَةً، وَاجْتِمَاعَهُمَا حَمِيدًا، وَرَفْرَفَ عَلَى بَيْتِهِمَا السُّرُورُ وَالْحُبُورُ، وَنَشَأَ الْأَطْفَالُ فِي هَذَا الْجَوِّ الْهَادِئِ الْوَادِعِ، فَشَبُّوا عَلَى كَرَمِ الطِّبَاعِ، وَحُسْنِ الشَّمَائِلِ، وَلَطِيفِ الْأَخْلَاقِ.
فَعَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ، وَأَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهَا مِنْ أَجَلِّ الْقُرُبَاتِ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَوْ سَارَتْ عَلَى سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
((بِرُّ الْوَالِدَيْنِ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ تَمَاسُكِ الْأُسْرَةِ))
إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ مُتَحَرِّكًا فِي دَاخِلِ الْإِطَارِ الَّذِي كُلِّفَ؛ بِأَنْ يَكُونَ دَاخِلَهُ وَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ، فَتَوَقَّفَ عِنْدَ حُدُودِ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ، وَأَخَذَ بِدِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَخْذِهِ بِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْقَى نَصَبًا وَلَا يَجِدُ تَعَبًا, وَحِينَئِذٍ تَحْيَا الرُّوحُ حَيَاتَهَا، وَيَجِدُ الْقَلْبُ اسْتِقْرَارَهُ وَمَقَرَّهُ, وَيَسْتَقِيمُ جَسَدُهُ عَلَى الْحَقِّ وَالْخَيْرِ.
وَكَذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ، وَكَذَا كَانَ أَصْحَابُ نَبِيِّنَا الْمَأْمُونِ ﷺ.
وَإِنَّ حَقَّ الْأَبَوَيْنِ يَلِي حَقَّ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَحَقَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخَلْقِ لَيُفَرِّطُونَ فِي هَذَا الْحَقِّ، وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ، وَلَا يُلْقُونَ لَهُ بَالًا!! بَلْ يَعْتَدِي الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَلَى هَذَا الْحَقِّ الْمَكِينِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِعِبَادَتِهِ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.
{وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)} [الإسراء: 23-24].
فَأَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بَعْدَ الْأَمْرِ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَبِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا؛ فَهَذَا مِنْ آكَدِ الْحُقُوقِ وَمِنْ أَجَلِّهَا.
وَبَيَّنَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ لَا يُجِيزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ سُوءٍ تَنُمُّ عَنْ ضَجَرٍ يُحِسُّهُ فِي نَفْسِهِ، فَيُعْلِنُهُ بِلِسَانِهِ، {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}.
فَلَمْ يُجِزْ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يَتَأَفَّفَ الْإِنْسَانُ مِنْ أَبَوَيْهِ إِذَا بَلَغَا الْكِبَرَ، وَصَارَا إِلَى حَالٍ لَا يَتَحَكَّمَانِ فِيهَا فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، فَيَتَأَفَّفُ مِنْهُمَا مُتَضَجِّرًا!! وَقَدْ كَانَا يَرَيَانِ مِنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَأْعَظَمَ مِنْهُ وَلَا يَتَضَجَّرَانِ، وَإِنَّمَا يَأْتِيَانِ بِهِ بِسَمَاحَةِ نَفْسٍ وَطِيبٍ خَاطِرٍ.
فَنَهَى رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَنْ تَأَفُّفِ الْمَرْءِ مِنْ أَبَوَيْهِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ حَقَّهُمَا عَظِيمًا، وَجَعَلَ الْوَاجِبَ عَلَى الْعَبْدِ تِجَاهَهُمَا وَاجِبًا جَسِيمًا، وَإِذَا فَرَّطَ فِي ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ ((مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ، وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ)).
وَإِنَّ أَوْلَى الْأَرْحَامِ بِالرِّعَايَةِ لَهِيَ مَا يَتَّصِلُ بِالْأَبَوَيْنِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ؛ فَأَجَابَ ﷺ بِتَرْتِيبٍ وَاضِحٍ لَا لَبْسَ فِيهِ وَلَا غُمُوضَ؛ فَإِنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟
قَالَ: ((أُمُّكَ)).
قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟
قَالَ: ((أُمُّكَ)).
قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟
قَالَ: ((أُمُّكَ)).
قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟
قَالَ: ((أَبُوكَ)).
فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ لِلْأُمِّ، وَكَرَّرَ ذَلِكَ ﷺ مِرَارًا، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَبَ بَعْدُ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ الْوَالِدَ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: ((الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَخُذْ أَوْ فَدَعْ))؛ يَعْنِي: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ مِنْ أَوْسَطِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَدُونَكَ بِرَّ أَبِيكَ؛ فَإِنَّ أَبَاكَ هُوَ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ((الْمُسْنَدِ)) بِسَنَدِهِ عَنْ أُمِّنَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهَا- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: ((أُرِيْتُ فِي الْمَنَامِ فِي الرُّؤْيَا أَنِّي كُنْتُ فِي الْجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟))
قَالُوا: هُوَ حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((كَذَاكِ الْبِرُّ، كَذَاكِ الْبِرُّ))، وَكَان بَرًّا بِأُمِّهِ.
فَأُرِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الرُّؤْيَا، وَسَمِعَ تِلَاوَتَهُ لَمَّا قَبَضَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي الْجَنَّةِ؛ لِبِرِّهِ بِأُمِّهِ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ -رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ-.
((رِعَايَةُ الْمُسْلِمِ لِأُسْرَتِهِ وَوَاجِبُهُ نَحْوَهَا))
رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ, فَذَهَبَ سَلْمَانُ لِزِيَارَةِ أَخِيهِ؛ فَلَمْ يَجِدْهُ, وَوَجَدَ أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً -يَعْنِي فِي ثِيَابِ الْمِهْنَةِ- كَأَنَّهَا لَيْسَتْ بِذَاتِ بَعْلٍ.
فَقَالَ لَهَا: مَا هَذَا يَا أُمَّ الدَّرْدَاءِ؟!
فَقَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا.
فَكَنَّتْ عَنِ اعْتِزَالِهِ إِيَّاهَا، وَعَدَمِ قُرْبَانِهِ مِنْهَا بِهَذِهِ اللُّغَةِ الشَّفِيفَةِ الَّتِي لَا تَخْدِشُ وَلَا يَفْعَلُ فِعْلَهَا النَّسِيمُ، فَقَالَتْ: إِنَّ أَخَاكَ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا.
فَلَمَّا جَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَدَّمَ إِلَيْهِ- يَعْنِي: إِلَى سَلْمَانَ- طَعَامًا, فَقَالَ: كُلْ.
فَقَالَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ.
قَالَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: إِنِّي صَائِمٌ.
قَالَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ.
فَأَكَلَ مَعَهُ، وَبَقِيَ مَعَهُ حَتَّى صَلَّيَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَلَمَّا رَجَعَا، قَامَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لِكَيْ يُصَلِّيَ.
فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: نَمْ, فَنَامَ.
ثُمَّ قَامَ لِيُصَلِّيَ؛ فَقَالَ: نَمْ, حَتَّى إِذَا كَانَ فِي السَّحَرِ الْأَعْلَى, قَالَ: الْآنَ فَقُمْ، فَصَلَّيَا مَا شَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنْ يُصَلِّيَا، ثُمَّ أَخْبَرَهُ سَلْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي صَدَّقَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ((إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ فَآتِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ)).
فَلَمَّا أَخْبَرَ بِهَا أَبُو الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((صَدَقَ سَلْمَانُ)) . فَاعْتَمَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ.
بَلْ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ بِهَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ زَوَّجَهُ فَلَمْ يَكْشِفْ لِأَهْلِهِ سِتْرًا, ثُمَّ ذَهَبَ عَمْرٌو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لِيَتَفَقَّدَ أَحْوَالَهُ، ثُمَّ أَعْلَمَ النَّبِيَّ ﷺ بِحَالِهِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا, إِنَّ لِبَدَنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا, إِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا, إِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا, إِنَّ لِزَوْرِكَ-أَيْ: لِضِيفَانِكَ وَزَائِرِيكَ- عَلَيْكَ حَقًّا, فَآتِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حقَّهُ)) .
فَدِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ إِذَا الْتَزَمَهُ الْإِنْسَانُ بِبَصِيرَةٍ وَوَعْيٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجِدَ نَصَبًا فِي الْأَخْذِ بِهِ، وَفِي الْعَمَلِ بِتَعَالِيمِهِ.
*إِطْعَامُكَ زَوْجَتَكَ وَوَلَدَكَ صَدَقَةٌ: فَعَنِ الْمِقْدَامِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((مَا أَطْعَمْتَ نَفْسَكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ وَلَدَكَ وَزَوْجَتَكَ وَخَادِمَكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ)) . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ))، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ فِي ((الْكُبْرَى))، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ)).
هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى بَيَانِ شَيْءٍ مِنْ فَضَائِلِ الْإِسْلَامِ وَمَحَاسِنِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا أَنْفَقْتَهُ عَلَى نَفْسِكَ مِنَ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَنْتَفِعُ بِهِ؛ يَكُونُ لَكَ فِيهِ صَدَقَةٌ، وَهَكَذَا مَا أَنْفَقْتَهُ عَلَى مَنْ تَحْتَ يَدِكَ مِنْ زَوْجَةٍ، وَابْنٍ، وَخَادِمٍ وَمَمْلُوكٍ لَكَ فِيهِ صَدَقَاتٌ، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّة.
إِنَّ مَا أَنْفَقْتَهُ عَلَى نَفْسِكَ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُ-، وَعَلَى أَهْلِكَ وَعَلَى مَمْلُوكِكَ، وَعَلَى الْأَجِيرِ الْخَادِمِ، وَالْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ صَدَقَةٌ، كلُّ مَا أَنْفَقْتَهُ فَلَكَ فِيهِ صَدَقَاتٌ.
وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ وَفَضَائِلِهِ، وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَيَحْتَاجُ هَذَا إِلَى النِّيَّةِ، أَيْ: أَنْ تَنْوِيَهُ نِيَّةً عَامَّةً فِي كُلِّ مَا أَنْفَقْتَ مِنْ مَالِكَ فِي وُجُوهِ الْحَلَالِ؛ وَمِنْ ذَلِكَ: الْمَطْعَمُ وَالْمَشْرَبُ، وَالْمَسْكَنُ وَالْمَرْكَبُ تَحْتَسِبُهُ فَلَكَ فِيهِ صَدَقَاتٌ جَارِيَةٌ.
وَهَكَذَا إِذَا قَدَّمْتَ إِحْسَانًا تَحْتَسِبُ فِيهِ الْأَجْرَ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَفِي الْحَدِيثِ: ((لَا أَجْرَ إِلَّا عَن حِسْبَةٍ)) -صَحَّحَهُ لِغَيْرِهِ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((الصَّحِيحَةِ))-؛ أَيْ: لِمَنْ يَحْتَسِبُ، وَهُوَ بِمَعْنَى حَدِيثِ: ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) ؛ أَيْ: تَنْوِي إِذَا قُدِّمَ لَكَ الطَّعَامُ مِنْ حَلَالٍ أَنْ تَنْوِيَ فِي هَذَا الطَّعَامِ أَنَّكَ تُحْسِنُ بِهِ إِلَى نَفْسِكَ، وَتَتَقَوَّى بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَقَضَاءِ حَاجَاتِكَ الْمُبَاحَةِ وَالشَّرْعِيَّةِ؛ فَيَكُونُ لَكَ فِي هَذَا الطَّعَامِ أَجْرٌ.
وَهَذَا تَكَرُّمٌ مِنَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَإِحْسَانٌ وَإِفْضَالٌ، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ أَكَلَ مِنْ مَائِدَتِكَ، وَكُلُّ مَنْ شَرِبَ مِمَّا كَسَبَتْ يَدُكَ لَكَ فِيهِ أَجْرٌ.
وَهَذَا جَاءَ مُوَضَّحًا فِي الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهَذَا الْمُسْلِمِ الضَّعِيفِ، وَأَنَّ هَذَا الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى لَا يَضِيعُ مِنْ عَمَلِهِ شَيْءٌ أَبَدًا، حَتَّى هَذَا الشَّيْءُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَحْفَظُ صِحَّتَهُ وَبِنْيَتَهُ، وَيَحْفَظُ وَلَدَهُ لَهُ فِيهِ الْأُجُورُ الْمُضَاعَفَةُ؛ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ.
((قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا))
إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَمَرَنَا أَنْ نَقِيَ أَنْفُسَنَا النَّارَ، وَوَصَفَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِبَعْضِ صِفَاتِهَا كَمَا وَصَفَ الْقَائِمِينَ عَلَيْهَا بِبَعْضِ صِفَاتِهِمْ، وَحَذَّرَنَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَقِيَ أَنْفُسَنَا وَأَهْلِينَا ذَلِكَ الْأَمْرَ الْكَبِيرَ، وَهُوَ وُرُودُ النَّار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:6].
إنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- نَادَانَا بِوَصْفِ الْإِيمَانِ؛ لَكِيْ يَكُونَ ذَلِكَ حَافِزًا لَنَا عَلَى إِلْقَاءِ سَمْعِ الْقَلْبِ لِمَا يَأْمُرُنَا بِهِ وَمَا يَنْهَانَا عَنْهُ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: يَا مَنْ أَعْلَنْتُمْ إِيمَانَكُمْ بِرَبِّكِمْ -جَلَّ وَعَلَا-، فَآمَنْتُمْ بِهِ وَبِمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابٍ، وَبِالرَّسُولِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْكُمْ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حَقًّا؛ فَاسْمَعُوا وَعُوا، وَامْتَثِلُوا أَمْرَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَاجْتَنِبُوا مَسَاخِطَهُ.
{قُوا أَنفُسَكُمْ}: اجْعَلُوا بَيْنَ أَنْفُسِكِمْ وَبَيْنَ نَارِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وِقَايَةً وَجُنَّةً، {وَأَهْلِيكُمْ}: فَإِنَّكُمْ رُعَاةٌ فِيهِمْ، وَكُلُّ رَاعٍ فِي رَعِيَّةٍ هُوَ مَسْئُولٌ عَنْهَا، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.
وَمَا أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ مَنْ مَكَّنَهُمْ مِنْ وَسَائِلِ الْفِسْقِ وَاللَّهْوِ وَالْفُجُورِ، وَإِضَاعَةِ الْأَوْقَاتِ فِي مَعْصِيَةِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ!!
وَمَا سَعَى بِذَلِكَ فِي وِقَايَتِهِمُ النَّارَ الَّتِي وَصَفَهَا الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ بِقَوْلِهِ: {نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}: لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ، يُعذِّبُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهَا أَهْلَ الْفُجُورِ وَالْفِسْقِ وَالْكُفْرِ، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
{عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ}: فَهُمْ فِي غِلْظَتِهِمْ وَشِدَّتِهِمْ مُطِيعُونَ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ؛ بِإِنْزَالِ النَّكَالِ وَالْهَوَانِ وَالْعَذَابِ عَلَى مَنِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ فِي النّارِ الَّتِي أَعَدَّهاَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِلْمُجْرِمِينَ.
*صِيَانَةُ الْبُيُوتِ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالْخَنَا مِنْ أَسْبَابِ الْحِفَاظِ عَلَى الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ:
إِنَّ الْبُيُوتَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُنِيرَةً بِآيَاتِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ بِقُرْآنِ الرَّحْمَنِ لَا بِقُرْآنِ الشَّيْطَانِ.
عَلَى الْأَسْمَاعِ أَنْ تَتَنَزَّهَ عَنْ سَمَاعِ الْخَنَا وَالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ، وَعَلَى الْأَبْصَارِ أَنْ تَتَنَزَّهَ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْفَوَاحِشِ وَمُطَالَعَةِ الْعَوْرَاتِ، وَالتَّطَلُّعِ إِلَى تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي حَرَّمَهَا رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ.
تَعَلَّمُوا عِبَادَ اللهِ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِ اللهِ، وَتَمَسَّكُوا بِالْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ، احْفَظُوا مَنْطِقَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَبْصَارَكُمْ أَنْ تُوَاقِعَ الْحَرَامَ، لَا تَجْلِسُوا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَمَامَ تِلْكَ الشَّاشَاتِ الَّتِي تُخَرِّبُ عَلَيْكُمْ أَخْلَاقَكُمْ، تُدَمِّرُ عَلَيْكُمْ دِينَكُمْ، وتُفْسِدُ عَلَيْكُمْ بُيُوتَكُمْ، فَلْتَكُنْ بُيُوتُكُمْ كَبُيُوتِ الْأَصْحَابِ -عِبَادَ اللهِ-.
كُنْتَ إِذَا مَرَرْتَ بِطُرُقَاتِ الْمَدِينَةِ بِلَيْلٍ؛ سَمِعْتَ لَهُمْ دَوِيًّا كَدَوِيِّ النَّحْلِ بِالْقُرْآنِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَالْآنَ يَعْكُفُ النَّاسُ فِي الْأَصْبَاحِ وَفِي الْأَمْسَاءِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَفِي السَّحَرِ الْأَعْلَى، وَفِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، عَلَى مُشَاهَدَةِ الْعُهْرِ وَالْخَنَا، وَتَبَلَّدَتِ الْأَخْلَاقُ، وَانْمَحَقَتِ الْغَيْرَةُ!!
انْمَحَقَتِ الْغَيْرَةُ!!
الرَّجُلُ تَكُونُ امْرَأَتُه بِجِوَارِه تَتَطَلَّعُ إِلَى رَجُلٍ عَارٍ، لا يَبْقَى إِلَّا أَنْ يُكْشَفَ غِطَاءٌ، وَلَرُبَّمَا كُشِفَ حَتَّى تَرَى الْمَرْأَةُ مُوَاقَعَةً، وَمُبَاشَرَةً وَاقِعَةً، وزَوْجُهَا -وَقَدْ خَرَجَ لَهُ قَرْنَانِ عَظِيمَانِ!!- بِجِوَارِهَا يَنْظُرُ، ورُبَّمَا يَضْحَكُ!!
وَابْنَتُهُ يَأْتِي إِلَيْهَا فِي خِدْرِهَا بِالْخَنَا، وَيَأْتِي لَهَا فِي خِدْرِهَا مَا يُعَلِّمُهَا بِهِ الْفُجُورَ!! ثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ؛ لَامَ النَّاسَ، وَلَامَ الدُّنْيَا، وَهُوَ الَّذِي حَفَرَ بِظِلْفِهِ قَبْرَهُ، فَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ؛ حَتَّى تَتَنَزَّلَ عَلَيْنَا الرَّحَمَاتُ؛ فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ يُحْجَبُ بِهَا خَيْرٌ كَبِيرٌ، لَوُ أَنَّنَا أَطَعْنَا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَتَوَاتَرَتْ عَلَيْنَا النِّعَمُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، وَلَأَكَلْنَا مِنْ فَوْقِنَا وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِنَا، نَحْنُ نَسُدُّ عَلَى أَنْفُسِنَا مَسَالِكَ العَطَاءِ.
فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَتُوبَ، وَأَنْ نَتَّقِيَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
فَالْمُجْتَمَعُ إِذَا مَا انْهَارَتْ أَخْلَاقُهُ، وَإِذَا مَا سَقَطَتْ أَخْلَاقُهُ فِي الْحَمْئَةِ الْوَبِيلَةِ، الْمُجْتَمَعُ إِذَا ظَهَرَتْ فِيهِ الْفَاحِشَةُ؛ فَكَبِّرْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا.
الْمُجْتَمَعُ لَا يُحَارَبُ بِمِثْلِ مَا يُحَارَبُ بِنَشْرِ الْفَاحِشَةِ وَالرَّذِيلَةِ بَيْنَ أَبْنَائِهِ، وَمَا تَمَكَّنَ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ فِي دَاخِلٍ وَلَا خَارِجٍ يَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بِالْعَبَثِ بِأَخْلَاقِهمْ وَبَثِّ النَّزَوَاتِ وَالشَّهَوَاتِ مَفْتُوحَةً بِمَصَارِعِ أَبْوَابِهَا أَمَامَ شَهَوَاتِهِمْ وَمَلَذَّاتِهِمْ.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا -يَعْنِي لَمْ يَكُنْ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنْ وُجُودٍ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَذَكَرَ: «وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا».
«وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ»: حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ قَدْ جَعَلَتِ السِّدَالَ قَائِمًا، فَلَا يُبْصَرُ مِنْهَا شَيْءٌ، كَاسِيَةٌ عَارِيَةٌ مِنَ التَّقْوَى بَاطِنًا؛ فَهِيَ دَاخِلَةٌ، أَوْ هِيَ كَاسِيَةٌ بِشُفُوفٍ تَشِفُّ وَثِيَابٍ تَصِفُ، ثُمَّ هِيَ كَاسِيَةٌ عَارِيَةٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ، قَوْلَانِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ»: تُمِيلُ بِالْخَنَا، فَهِيَ مَائِلَةٌ عَنِ الْحَقِّ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، «مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ»: وَالْبُخْتُ: إِبِلٌ لَهَا سَنَامٌ يَمِيلُ بِقِمَّةِ الشَّعْرِ فِيهِ نَاحِيَةً، وَكَذَلِكَ تَجِدُ الْمَرْأَةَ مِنْ هَؤُلَاءِ كَاسِيَةً عَارِيَةً، تَخْرُجُ بِثِيَابٍ إِلَى الْأَجَانِبِ مِنْ غَيْرِ الْمَحَارِمِ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا قَطُّ.
فَعَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي آمَنَتْ بِرَبِّهَا وَسَتَرَتْ جَسَدَهَا أَنْ تَتَّقِّيَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَلَا تَتَبَرَّجُ بِحِجَابِهَا، فَهَذَا شَيْءٌ شَائِنٌ لَا يَلِيقُ، وَالْحِجَابُ الْآنَ قَدْ تَبرَّجَ، نَعَمْ صَارَ الْحِجَابُ يَحْتَاجُ حِجَابًا، فَقَدْ تَبَرَّجَ الْحِجَابُ!!
وَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَهُ وَلَايَةً عَلَى امْرَأَةٍ؛ يَسْأَلُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عَرَصَاتِهَا، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ حَمِيمٌ حَمِيمًا وَلَا صَاحِبٌ صَاحِبًا، وَإِنَّمَا هِيَ الْمُؤَاخَذَةُ بِالْمُجَازَاةِ وَالْمَسْئُولِيَّةِ.
يَنْبَغِي لِمَنْ جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَهُ وَلَايَةً أَنْ يَأْخُذَ عَلَى مَنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهَا وَأَلَّا يُمَكِّنْهَا مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ مَسْئُولٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الرَّجُلُ فِي بيتهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
*تَعْلِيمُ الْأَبْنَاءِ التَّوْحِيدَ وَأُصُولَ الِاعْتِقَادِ أَسَاسُ صَلَاحِ الْأُسْرَةِ وَالْمُجْتَمَعِ:
قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].
وَضَعْ فِي ذَاكِرَتِكَ أَيُّهَا الْمُتَلَقِّي آيَاتِ كِتَابِ اللهِ؛ ضَعْ نَصِيحَةَ لُقْمَانَ ابْنِهِ وَهُوَ يَنْصَحُهُ نُصْحًا مَقْرُونًا بِمَا يُثِيرُ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ، يَا بُنَيَّ الْقَرِيبَ مِنْ قَلْبِي، الْحَبِيبَ لِي، لَا تَجْعَلْ للهِ فِي اعْتِقَادِكَ أَوْ عَمَلِكَ شَرِيكًا لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ لِكَوْنِهِ أَوْ فِي إِلَهِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْتَسْوِيَةَ بَيْنَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا ظُلْمٌ عَظِيمٌ بِوَضْعِ الْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، إِنَّ الشِّرْكَ لِظُلْمٌ عَظِيمٌ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132].
وَوَصَّى إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَالْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَالِاسْتِسْلَامِ الْكَامِلِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَوَصَّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ -وَكَانُوا اثْنَا عَشَرَ وَلَدًا، أَحَدُهُمْ يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-- بِمِثْلِ مَا وَصَّى بِهِ إِبْرَاهِيمُ، وَكُلٌّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَيَعْقُوبَ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- قَالَ لِبَنِيهِ فِي وَصِيَّتِهِ لَهُمْ: يَا أَبْنَائِي! إِنَّ اللهَ اخْتَارَ لَكُمْ عَقَائِدَ الدِّينِ، وَشَرَائِعَهُ، وَأَحْكَامَهُ، فَاسْتَخْلَصَ لَكُمْ أَحْسَنَهَا، وَكَلَّفَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا بِهَا وَتَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهَا.
وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَكُونُوا مُسْلِمِي قِيَادَتِكُمْ فِي مَسِيرِةِ حَيَاتِكُمْ إِلَيْهِ -جَلَّ جَلَالُهُ-، تُطِيعُونَهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ فَتُؤَدُّونَهُ، وَتُطِيعُونَهُ فِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَتَجْتَنِبُونَهُ.
فَالْتَزِمُوا بِإِسْلَامِكُمْ لَهُ كُلَّ أَزْمَانِ حَيَاتِكُمْ، حَتَّى إِذَا جَاءَكُمُ الْمَوْتُ الَّذِي لَا تَعْلَمُونَ وَقْتَ نُزُولِهِ بِكُمْ عِنْدَ انْتِهَاءِ آجَالِكُمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا مُمْتَحَنُونَ، جَاءَكُمْ حِينَئِذٍ الْمَوْتُ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، مُسْتَسْلِمُونَ، مُنْقَادُونَ، مُطِيعُونَ رَبَّكُمْ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ؛ لِتَكُونُوا مِنَ النَّاجِينَ وَالْفَائِزِينَ بِالْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
عِبَادَ اللهِ! لَقَدْ كَانَتْ أَبْيَاتُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ لَهَا دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.
فَلْنُوَجِّهْ أَهْلِينَا، وَلْنُوَجِّهْ أَنْفُسَنَا إِلَى كِتَابِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَمَا ضَلَّ مَنْ ضَلَّ إِلَّا بِتَرْكِ كِتَابِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ لِأَنَّ التَّزْكِيَةَ لِلنَّفْسِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَبِسُنَّةِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ.
{قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}: عَلِّمُوهُمْ أُصُولَ الِاعْتِقَادِ، دُلُّوهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالرَّشَادِ.
عَلِّمُوهُمْ دِينَ رَبِّهِمْ: عَقِيدَتَهُ، وَعِبَادَتَهُ، وَمُعَامَلَتَهُ، وَأَخْلَاقَهُ، وَسُلُوكَهُ؛ لِيَفُوزُوا بِالرِّضْوَانِ فِي الْآخِرَةِ مَعَ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا، وَإِلَّا فَقَدْ خُنْتُمُ الْأَمَانَةَ، وَإِلَّا فَمَا أدَّيْتُمْ حَقَّ ذَوِيكُمْ عَلَيْكُمْ.
تَعَلَّمُوا أُصُولَ الِاعْتِقَادِ وَعَلِّمُوهَا، قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي يُوَرِّطُ الْخَلْقَ فِي النَّارِ تَوَرُّطًا، وَاللهُ لَا يَغْفِرُهُ {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النِّسَاء: 48].
عَلِّمُوهُمْ أَنْ يَنْذِروا للهِ، إِنْ نَذَرُوا.
عَلِّمُوهُمْ أَلَّا يَذْبَحُوا إِلَّا للهِ، وَأَلَّا يَتَوَكَّلُوا إِلَّا عَلَى اللهِ، أَلَّا يُحِبُّوا إِلَّا فِي اللهِ، وَأَلَّا يُبْغِضُوا إِلَّا فِي اللهِ.
عَلِّمُوهُمْ أَسْمَاءَ اللهِ وَصِفَاتِهِ.
دُلُّوهُمْ عَلَى الصَّوَابِ وَالْحَقِيقَةِ فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، ألَّا يَكُونُوا مُرْجِئَةً، وَأَلَّا يَكُونُوا خَوَارِجَ؛ فَيَخْسَرُوا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ.
عَلِّمُوهُمْ الْحَقَّ الْحَقِيقَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَإِلَّا صَارُوا مُتَوَاكِلِينَ، لَا يَنْهَضُونَ لِهِمَّةٍ، وَلَا يَأْتُونَ بِعَزْمٍ فِي مُلِمَّةٍ.
عَلِّمُوهُمُ الْوَاجِبَ تِجَاهَ آلِ بَيْتِ رَسُولِ اللهِﷺ، وَأَلَّا يَكُونُوا رَافِضَةً، وَأَلَّا يَكُونُوا نَاصِبَةً؛ حَتَّى يَكُونُوا عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
عَلِّمُوهُمُ الْحَقَّ الْحَقِيقَ في أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتَّى يُجَانِبُوا الشِّيعَةَ الرَّوَافِضَ الْمَلَاعِينَ فِي سَبِّهِمْ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ الْأَمِينِﷺ، وَفِي تَكْفِيرِهِمْ لَهُمْ، وَفِي رَمْيِهِمْ بِالْخِيَانَةِ لِلدِّينِ، وَارْتِدَادِهِمْ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ؛ حَتَّى لَا يَنْجُمَ فِي بَيْتِكَ مَنْ يَقُولُ: هَؤُلَاءِ إِخْوَانُنَا، وَهَؤُلَاءِ نَتَقَارَبُ مَعَهُمْ!!
عَلِّمُوهُمُ الْحَقَّ الْحَقِيقَ فِي كِتَابِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
عَلِّمُوهُمْ أَلَّا يَنْظُرُوا إِلَى كِتَابِ رَبِّهِمْ -جَلَّ وَعَلَا- نَظْرَةَ السُّوءِ؛ فَيَرَوْهُ مُفَكَّكًا لَا يَتَمَاسَكُ كَمَا يَزْعُمُ الْعَلْمَانِيُّونَ وَالْمُسْتَشْرِقُونَ، وَكَمَا يَزْعُمُ الْمُكَفِّرُونَ الْمُنَصِّرُونَ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا وَكَثِيرًا.
عَلِّمُوهُمْ حَقَّ رَسُولِ اللهِ، وَعَرِّفُوهُمْ بِهِ.
لَنْ تَقِيَ الْأَهْلَ نَارًا، وَأَنْتَ لَا تَدْرِي وَلدُكَ مَنْ يُصَاحِبُ، وَمِنْ أَيِّ مَعِينٍ يَنْهَلُ؛ فَلَعَلَّهُ قَدْ قُيِّضَ لَهُ مُبْتَدِعٌ يُضِلُّهُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَأَنْتَ فِي غَفْلَةٍ غَفْلَاءَ!!
لَا تَدَعْ وَلَدَك تَتَلَقَّفُهُ الْجَمَاعَاتُ الضَّالَّةُ، وَالْفِرَقُ الْمُنْحَرِفَةُ.
فَمَا وَقَيْتَهُ النَّارَ، وَأَسَأْتَ، وَتَعَدَّيْتَ، وَظَلَمْتَ! وَلَمْ تَرْعَ فِيهِ أَمَانَةَ اللهِ!
عَلِّمْهُ دِينَ اللهِ، وَدِينُ اللهِ لَا فُرْقَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ قِيَامٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِﷺ.
وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ امْتِثَالِ أَمْرِ اللهِ فِي قَوْلِهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6].
اتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي أَنْفُسِكُمْ وَفِي أَهْلِيكُمْ؛ فَإِنَّمَا هِيَ أَمَانَةٌ.
((وَسَائِلُ مُفِيدَةٌ لِسَعَادَةِ الْأُسْرَةِ وَالْحِفَاظِ عَلَيْهَا))
إِنَّ رَاحَةَ الْقَلْبِ، وَطُمْأَنِينَتَهُ، وَسُرُورَهُ، وَزَوَالَ هُمُومِهِ وَغُمُومِهِ، هُوَ الْمَطْلَبُ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَبِهِ تَحْصُلُ الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ، وَيَتِمُّ السُّرُورُ وَالِابْتِهَاجُ، وَلِذَلِكَ أَسْبَابٌ دِينِيَّةٌ، وَأَسْبَابٌ طَبِيعِيَّةٌ، وَأَسْبَابٌ عَمَلِيَّةٌ.
وَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهَا كَلُّهَا إِلَّا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ، فَإِنَّهَا وَإِنْ حَصَلَتْ لَهُمْ مِنْ وَجْهٍ وَسَبَبٍ يُجَاهِدُ عُقَلَاؤُهُمْ عَلَيْهِ، فَاتَتْهُمْ مِنْ وُجُوهٍ أَنْفَعَ وَأَثْبَتَ وَأَحْسَنَ حَالًا وَمَآلًا.
*أَعْظَمُ الْأَسْبَابِ لِتَحْصِيلِ الْحَيَاةِ السَّعِيدَةِ هُوَ ((الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ)):
وَأَعْظَمُ الْأَسْبَابِ لِذَلِكَ -أَيْ لِتَحْصِيلِ الْحَيَاةِ الْمُطْمَئِنَّةِ السَّعِيدَةِ- وَأَعْظَمُ الْأَسْبَابِ لِذَلِكَ وَأَصْلُهَا وَأُسُّهَا هُوَ ((الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ)).
قَالَ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
فَأَخْبَرَ تَعَالَى وَوَعَدَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، بِالْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَبِالْجَزَاءِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَفِي دَارِ الْقَرَارِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ وَاضِحٌ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِاللهِ الْإِيمَانَ الصَّحِيحَ، الْمُثْمِرَ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ الْمُصْلِحِ لِلْقُلُوبِ وَالْأَخْلَاقِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مَعَهُمْ أُصُولٌ وَأُسُسٌ يَتَلَقُّونَ فِيهَا جَمِيعَ مَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَسْبَابِ السُّرُورِ وَالِابْتِهَاجِ، وَأَسْبَابِ الْقَلَقِ وَالْهَمِّ وَالْأَحْزَانِ.
يَتَلَقُّونَ الْمَحَابَّ وَالْمَسَارَّ بِقَبُولٍ لَهَا، وَشُكْرٍ عَلَيْهَا، وَاسْتِعْمَالٍ لَهَا فِيمَا يَنْفَعُ، فَإِذَا اسْتَعْمَلُوهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ أَحْدَثَ لَهُمْ مِنِ الِابْتِهَاجِ بِهَا، وَالطَّمَعِ فِي بَقَائِهَا وَبَرَكَتِهَا، وَرَجَاءِ ثَوَابِ الشَّاكِرِينَ، أُمُورًا عَظِيمَةً تَفُوقُ بِخَيْرَاتِهَا وَبَرَكَاتِهَا هَذِهِ الْمَسَرَّاتِ الَّتِي هَذِهِ ثَمَرَاتُهَا.
وَيَتَلَقُّونَ الْمَكَارِهَ وَالْمَضَارَّ وَالْهَمَّ وَالْغَمَّ بِالْمُقَاوَمَةِ لَهَا بِمَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهُ بِهِ، وَبِتَخْفِيفِ مَا يُمْكِنُهُمْ تَخْفِيفَه، وَالصَّبْرِ الْجَمِيلِ لِمَا لَيْسَ لَهُمْ مِنْهُ بُدٌّ.
وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ آثَارِ الْمَكَارِهِ مِنَ الْمُقَاوِمَاتِ النَّافِعَةِ، وَالتَّجَارِبِ وَالْقُوَّةِ، وَمِنَ الصَّبْرِ وَاحْتِسَابِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ أُمُورًا عَظِيمَةً تَضْمَحِلُّ مَعَهَا الْمَكَارِهُ، وَتَحُلُّ مَحَلَّهَا الْمَسَارُّ وَالْآمَالُ الطَّيِّبَةُ، وَالطَّمَعُ فِي فَضْلِ اللهِ وَثَوَابِهِ، كَمَا عَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ هَذَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ)). انْتَهَى كَلَامُهُ -رَحِمَهُ اللهُ-.
هَذَا هُوَ السَّبَبُ الْأَوَّلُ مِنَ الْوَسَائِلِ الْمُفِيدَةِ لِلْحَيَاةِ السَّعِيدَةِ، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ تِلْكَ الْوَسَائِلِ، بَلْ هُوَ أَصْلُ تِلْكَ الْوَسَائِلِ، وَكُلُّ مَا يَأْتِ مِنَ الْوَسَائِلِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ فَرْعٌ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ ((الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ)).
*وَمِنَ الْوَسَائِلِ الْمُفِيدَةِ لِلْحَيَاةِ السَّعِيدَةِ: الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى:
*وَمِنْ أَكْبَرِ الْأَسْبَابِ لِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ وَطُمَأْنِينَتِهِ: الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللهِ، فَإِنَّ لِذَلِكَ تَأْثِيرًا عَجِيبًا فِي انْشِرَاحِ الصَّدْرِ وَطُمْأْنِينَتِهِ، وَزَوَالِ هَمِّهِ وَغَمِّهِ، قَالَ تَعَالَى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.
فَلِذِكْرِ اللهِ أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي حُصُولِ هَذَا الْمَطْلُوبِ لِخَاصِيَّتِهِ، وَلِمَا يَرْجُوهُ الْعَبْدُ مِنْ ثَوَابِهِ وَأَجْرِهِ.
*وَمِنَ الْوَسَائِلِ الْمُفِيدَةِ لِلْحَيَاةِ السَّعِيدَةِ: التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ اللهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ:
وَكَذَلِكَ التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ اللهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، فَإِنَّ مَعْرِفَتَهَا وَالتَّحَدُّثَ بِهَا يَدْفَعُ اللهُ بِهِ الْهَمَّ وَالْغَمَّ، وَيَحُثُّ الْعَبْدَ عَلَى الشُّكْرِ الَّذِي هُوَ أَرْفَعُ الْمَرَاتِبِ وَأَعْلَاهَا حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ فِي حَالَةِ فَقْرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَايَا.
فَإِنَّهُ إِذَا قَابَلَ بَيْنَ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِ -الَّتِي لَا يُحْصَى لَهَا عَدٌّ وَلَا حِسَابٌ- وَبَيْنَ مَا أَصَابَهُ مِنْ مَكْرُوهٍ، لَمْ يَكُنْ لِلْمَكْرُوهِ إِلَى النِّعَمِ نِسْبَةٌ.
*التَّوَكُّلُ مِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ الْحِفَاظِ عَلَى أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْعَصَبِيَّةِ:
قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَمِنْ أَعْظَمِ الْعِلَاجَاتِ لِأَمْرَاضِ الْقَلْبِ الْعَصَبِيَّةِ، بَلْ وَأَيْضًا لِلْأَمْرَاضِ الْبَدَنِيَّةِ: قُوَّةُ الْقَلْبِ وَعَدَمُ انْزِعَاجِهِ وَانْفِعَالِهِ لِلْأَوْهَامِ وَالْخَيَالَاتِ الَّتِي تَجْلِبُهَا الْأَفْكَارُ السَّيِّئَةُ)).
وَهَلْ لِلْقَلْبِ أَمْرَاضٌ عَصَبِيَّةٌ؟
نَعَمْ، هَذِهِ هِيَ الَّتِي يَقُولُ عَنْهَا الْأَطِبَّاءُ هِيَ ((الْأَمْرَاضُ النَّفْسُ جِسْمِيَّةٌ))، يَعْنِي الْأَمْرَاضَ الْجَسَدِيَّةَ الَّتِي تَكُونُ نَاشِئَةً عَنْ اخْتِلَالَاتٍ نَفْسِيَّةٍ.
وَأَبْرَزُ ذَلِكَ وَأَوْضَحُهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِارْتِفَاعِ ضَغْطِ الدَّمِ، وَمَرَضِ السُّكَّرِيِّ، وَكَذِلَكَ قُرْحَةُ الْمَعِدَةِ، إِلَى أَمُورٍ كَثِيرَةٍ.
فَكُلُّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ الْقَلَقُ الزَّائِدُ، وَالْاضْطِرَابُ، وَالْعَصَبِيَّةُ، وَعَدَمُ التَّمَاسُكِ النَّفْسِيِّ، فَتُؤَدِّي هَذِهِ الْحَالُ إِلَى جُمْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ، إِنْ لَمْ تُؤَدِّ إِلَيْهَا كُلِّهَا.
فَيَقُولُ: ((وَمِنْ أَعْظَمِ الْعِلَاجَاتِ لِأَمْرَاضِ الْقَلْبِ الْعَصَبِيَّةِ، بَلْ وَأَيْضًا لِلْأَمْرَاضِ الْبَدَنِيَّةِ: قُوَّةُ الْقَلْبِ وَعَدَمُ انْزِعَاجِهِ وَانْفِعَالِهِ لِلْأَوْهَامِ وَالْخَيَالَاتِ الَّتِي تَجْلِبُهَا الْأَفْكَارُ السَّيِّئَةُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَتَى اسْتَسْلَمَ لِلْخَيَالَاتِ، وَانْفَعَلَ قَلْبُهُ لِلْمُؤَثِّرَاتِ؛ مِنَ الْخَوْفِ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَغَيْرِهَا، وَمِنَ الْغَضَبُ وَالتَّشْوُّشِ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُؤْلِمَةِ، وَمِنْ تَوَقُّعِ حُدُوثِ الْمَكَارِهِ وَزَوَالِ الْمَحَابِّ، أَوْقَعَهُ ذَلِكَ فِي الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالْأَمْرَاضِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ، وَالِانْهِيَارِ الْعَصَبِيِّ الَّذِي لَهُ آثَارُهُ السَّيِّئَةُ الَّتِي قَدْ شَاهَدَ النَّاسُ مَضَارَّهَا الْكَثِيرَةَ.
وَمَتَى اعْتَمَدَ الْقَلْبُ عَلَى اللهِ، وَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَسْتَسْلِمْ لِلْأَوْهَامِ وَلَا مَلَكَتْهُ الْخَيَالَاتُ السَّيِّئَةُ، وَوَثِقَ بِاللهِ، وَطَمِعَ فِي فَضْلِهِ، انْدَفَعَتْ عَنْهُ بِذَلِكَ الْهُمُومُ وَالْغُمُومُ، وَزَالَتْ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَسْقَامِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْقَلْبِيَّةِ، وَحَصَلَ لِلْقَلْبِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالِانْشِرَاحِ وَالسُّرُورِ مَا لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ.
فَكَمْ مُلِئَتِ الْمُسْتَشْفِيَاتُ مِنْ مَرْضَى الْأَوْهَامِ وَالْخَيَالَاتِ الْفَاسِدَةِ، وَكَمْ أَثَّرَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ عَلَى قُلُوبِ كَثِيرِينَ مِنَ الْأَقْوِيَاءِ، فَضْلًا عَنِ الضُّعَفَاءِ، وَكَمْ أَدَّتْ إِلَى الْحُمْقِ وَالْجُنُونِ، وَالْمُعَافَى مَنْ عَافَاهُ اللهُ وَوَفَّقَهُ لِجِهَادِ نَفْسِهِ لِتَحْصِيلِ الْأَسْبَابِ النَّافِعَةِ الْمُقَوِّيَةِ لِلْقَلْبِ، الدَّافِعَةِ لِقَلَقِهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}؛ أَيْ كَافِيهِ جَمِيعَ مَا يَهُمُّهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.
فَالْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللهِ قَوِيُّ الْقَلْبِ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الْأَوْهَامُ، وَلَا تُزْعِجُهُ الْحَوَادِثُ لِعِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ ضَعْفِ النَّفْسِ، وَمِنَ الْخَوَرِ وَالْخَوْفِ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ.
وَيَعْلَمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ قَدْ تَكَفَّلَ لِمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ بِالْكِفَايَةِ التَّامَّةِ، فَيَثِقُ بِاللهِ وَيَطْمَئِنُّ لِوَعْدِهِ، فَيَزُولُ هَمُّهُ وَقَلَقُهُ، وَيَتَبَدَّلُ عُسْرُهُ يُسْرًا، وَتَرَحُهُ فَرَحًا، وَخَوْفُهُ أَمْنًا.
فَنَسْأَلُهُ تَعَالَى الْعَافِيَةَ وَأَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِقُوَّةِ الْقَلْبِ وَثَبَاتِهِ بِالتَّوَكُّلِ الْكَامِلِ الَّذِي تَكَفَّلَ اللهُ لِأَهْلِهِ بِكُلِّ خَيْرٍ، وَدَفْعِ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَضَيْرٍ)).
**وَمِنَ الْوَسَائِلِ الْمُفِيدَةِ لِلْحَيَاةِ السَّعِيدَةِ: مُلَاحَظَةُ الْمَحَاسِنِ وَالْإِغْضَاءُ عَنِ الْمَسَاوِئِ مَعَ مَنْ تُعَامِلُ:
قال -رَحِمَهُ اللهُ-: فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقَا رَضِيَ مِنْهَا خُلُقًا آخَرَ -أَوْ قَالَ-: غَيْرَهُ».
وَفَرِكَهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ يَفْرَكُهُ بِفَتْحِهَا إِذَا أَبْغَضَهُ، وَالْفَرْكُ: الْبُغْضُ.
فِي هَذَا الْقَوْلُ النَّبَوِيُّ فَائِدَتَانِ عَظِيمَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: الْإِرْشَادُ إِلَى مُعَامَلَةِ الزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ وَالصَّاحِبِ وَالْمُعَامَلِ، وَكُلُّ مَنْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عُلْقَةٌ وَاتِّصَالٌ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تُوَطِّنَ نَفْسَكَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَيْبٌ أَوْ نَقْصٌ أَوْ أَمْرٌ تَكْرَهُهُ.
فَإِذَا وَجَدْتَ ذَلِكَ، فَقَارِنْ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا يَجِبُ عَلَيْكَ أَوْ يَنْبَغِي لَكَ مِنْ قُوَّةِ الِاتِّصَالِ وَالْإِبْقَاءِ عَلَى الْمَحَبَّةِ، بِتَذَكُّرِ مَا فِيهِ مِنَ الْمَحَاسِنِ، وَالْمَقَاصِدِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ.
وَبِهَذَا الْإِغْضَاءِ عَنِ الْمَسَاوَئِ وَمُلَاحَظَةِ الْمَحَاسِنِ، تَدُومُ الصُّحْبَةُ وَالِاتِّصَالُ وَتَتِمُّ الرَّاحَةُ وَتَحْصُلُ لَكَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ زَوَالُ الْهَمِّ وَالْقَلَقِ، وَبَقَاءُ الصَّفَاءِ، وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ، وَحُصُولُ الرَّاحَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَرْشِدْ بِهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ، بَلْ عَكَسَ الْقَضِيَّةَ فَلَحَظَ الْمَسَاوِئَ، وَعَمِيَ عَنِ الْمَحَاسِنِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْلَقَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَكَدَّرَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الْمَحَبَّةِ، وَيَتَقَطَّعُ كَثِيرٌ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا.
((دَوْرُ الْأُسْرَةِ الْمُجْتَمَعِيِّ))
قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ، فَالْمَجْمُوعَةُ الْبَشَرِيَّةُ كُلُّهَا تَلْتَقِي عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَبَيْنَ النَّاسِ أُخُوَّةُ الْإِنْسَانِيَّةِ الْعَامَّةِ.
وَجَعْلَنَاكُمْ جُمُوعًا عَظِيمَةً وَقَبَائِلَ مُتَعَدِّدَةً؛ لِيَعْرِفَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي قُرْبِ النَّسَبِ وَبُعْدِهِ، لَا لِلتَّفَاخُرِ بِالْأَنْسَابِ وَالتَّعَالِي بِالْأَحْسَابِ، إِنَّ أَرْفَعَكُمْ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَتْقَاكُمْ لَهُ.
*أَمَرَ اللهُ أَفْرَادَ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى:
فَقَدْ قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((وُجُوبِ التَّعَاوُنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ)): قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].
فَالْبِرُّ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَأَحَبَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، مِنَ التَّحَقُّقِ بِعَقَائِدِ الدِّينِ وَأَخْلَاقِهِ، وَالْعَمَلِ بِآدَابِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، مِنَ الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَمِنَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَمِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا؛ فَكُلُّ هَذَا دَاخِلٌ فِي التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ.
وَمِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى التَّقْوَى: التَّعَاوُنُ عَلَى اجْتِنَابِ وَتَوَقِّي مَا نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ مِنَ الْفَوَاحِشِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَمِنَ الْإِثْمِ وَالْبَغْيِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالْقَوْلِ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ؛ بَلْ عَلَى تَرْكِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ.
*أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ بِصِلَةِ الرَّحِمِ لِتَرَابُطِ الْأُسَرِ وَصَلَاحِ الْمُجْتَمَعِ:
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
«قَالَ اللَّهُ ﻷ: أَنَا الرَّحْمَنُ، وَأَنَا خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وَاشْتَقَقْتُ لَهَا مِنَ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ». وَالْحَدِيثُ «صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ».
بِصِلَةِ الرَّحِمِ تَصْلُحُ الْمُجْتَمَعَاتُ، وَيَحْصُلُ التَّآلُفُ بَيْنَ الْأَقَارِبِ فِي النَّسَبِ، وَكَذَلِكَ الْأَقَارِبُ بِالْجِوَارِ وَالْأَصْحَابُ، فَالْمُجْتَمَعُ لَا يَكُونُ سَعِيدًا إِلَّا إِذَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِهِ التَّوَاصُلُ وَالتَّوَادُّ وَالتَّرَاحُمُ وَالْمَحَبَّةُ الشَّرْعِيَّةُ.
وَأَمَّا الْقَطِيعَةُ فَكُلُّهَا شَرٌّ، وَالِانْتِقَامُ لِلنَّفْسِ كَذَلِكَ يَجُرُّ إِلَى شَرٍّ كَبِيرٍ، وَالصَّبْرُ وَالتَّرَاضِي ثَمَرَاتُهُ طَيِّبَةٌ، وَعَوَاقِبُهُ حَمِيدَةٌ.
وَقَدْ قِيلَ: اصْبِرْ وَصَابِرْ تُدْرِكِ الْمَكَارِمَ.
((فَسَادُ الْمُجْتَمَعَاتِ يَكُونُ بِسَبَبِ فَسَادِ الْأَفْرَادِ وَالْأُسَرِ))
قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].
تَدَخَّلَ النَّاسُ فِي تَغْيِيرِ نِظَامِ اللهِ فِي كَوْنِهِ وَظَهَرَ بِسَبَبِ تَدَخُّلِهِمْ فَسَادٌ خَطِيرٌ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالْجَوِّ الْجَامِعِ لَهُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ: تَصَحُّرُ الْبِيئَةِ بِسَبَبِ الْإِسْرَافِ فِي قَطْعِ الْأَشْجَارِ، وَتَلَوُّثُ الْهَوَاءِ وَالْمَاءِ بِسَبَبِ مُخَلَّفَاتِ الْآلَاتِ الصِّنَاعِيَّةِ الْمُفْسِدَةِ، وَظُهُورُ الْأَمْرَاضِ الْمُسْتَعْصِيَةِ عَلَى الْعِلَاجِ، وَإِفْسَادُ نِظَامِ الْأُسَرِ وَالْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
لِنُذِيقَهُمْ بَعْضَ مَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْمَكَارِهِ وَالْآلَامِ وَالْعُقُوبَاتِ؛ رَغْبَةً فِي أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ تَمَادِيهِمْ فِي تَدَخُّلَاتِهِمُ الْمُفْسِدَاتِ فِي نِظَامِ اللهِ فِي كَوْنِهِ.
وَتَحَقُّقُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي زَمَانِنَا مِنْ مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ الْخَبَرِيَّةِ، الَّتِي تَحَدَّثَتْ عَنْ غَيْبِ الْمُسْتَقْبَلِ.
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فِي مَعَايِشِ النَّاسِ بِنَقْصِهَا، وَفِي أَنْفُسِهِمْ بِحُدُوثِ الْأَمْرَاضِ وَالْأَوْبِئَةِ؛ بِسَبَبِ مَا عَمِلُوهُ مِنَ الْمَعَاصِي.
ظَهَرَ ذَلِكَ؛ لِيُذِيقَهُمُ اللهُ جَزَاءَ بَعْضِ أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ رَجَاءَ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ.
((صَلَاحُ الْمُجْتَمَعِ يَبْدَأُ بِصَلَاحِ الْفَرْدِ وَالْأُسْرَةِ))
اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَرْسَلَ الْمُرْسَلِينَ مُصْلِحِينَ فِي الْأَرْضِ، فَأَصْلَحَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِمُ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ، وَتَوَجَّهَتْ دَعْوَتُهُمْ إِلَى الْأَفْرَادِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ تَبَعًا لِمَا أَضَلَّتْهُمْ بِهِ الْمَدَنِيَّةُ الْوَثَنِيَّةُ الْغَرْبِيَّةُ يَنْظُرُونَ إِلَى الْمُجْتَمَعَاتِ فِي شُمُولِهَا، وَيَحْسَبُونَ أَنَّ إِصْلَاحَ الْمَجْمُوعِ يَصْلُحُ بِهِ الْفَرْدُ.
وَهَذَا عَجِيبٌ!! لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَأَمَّلَ هَذَا وَجَدَهُ مَعْكُوسًا؛ لِأَنَّكَ إِذَا مَا مَرَرْتَ بِرَجُلٍ يَجْمَعُ أَعْوَادًا نَخِرَةً وَأَخْشَابًا مُهْتَرِئَةً، يَنْجُرُهَا لِيَصْنَعَ مِنْهَا فُلْكًا وَسَفِينَةً.
فَإِذَا قُلْتَ لَهُ: هَذِهِ أَعْوَادٌ لَا تَصْلُحُ.
قَالَ لَكَ: إِنَّ ضَمَّ هَذَا إِلَى هَذَا يَزِيدُهُ قُوَّةً، وَأَنْتَ تَقُولُ: إِنَّ الْفِطْرَةَ وَالْعَقْلَ يَقْضِيَانِ بِأَنَّ ضَمَّ هَذَا إِلَى هَذَا لَا يَزِيدُهُ إِلَّا وَهَنًا وَضَعْفًا!!
اللِّصُّ لِصٌّ، فَإِذَا جَمَعْتَ إِلَى اللِّصِّ لِصًّا، وَإِلَى هَذَيْنِ لِصًّا ثَالِثًا؛ صَارَ النَّاسُ كُلُّهُمْ لُصُوصًا..
الذِّئْبُ ذِئْبٌ، إِذَا جَمَعْتَ إِلَى الذِّئْبِ ذِئْبًا؛ كَانَ قَطِيعًا لَا يَصْلُحُ لِلرِّعَايَةِ وَالْحِرَاسَةِ..
الْمُفْسِدُ مُفْسِدٌ، وَالْفَاسِدُ فَاسِدٌ، فَإِذَا جَمَعْتَ إِلَى الْفَاسِدِ فَاسِدًا، وَإِلَى الْمُفْسِدِ مُفْسِدًا؛ صَارَ النَّاسُ إِلَى ضَيَاعٍ، وَانْتَهَى أَمْرُهُمْ إِلَى الْمَذَلَّةِ وَالضَّيَاعِ..
وَإِنَّمَا الشَّأْنُ كَرَجُلٍ يَدْخُلُ حُجْرَةً مُظْلِمَةً، وَالنَّاسُ إِذَا دَخَلُوا عَلَى قِسْمَيْنِ:
*رَجُلٌ يَدْرِي أَيْنَ مِفْتَاحُ الْإِنَارَةِ، فَيُيَمِّمُ قَصْدَهُ وَيَذْهَبُ صَوْبَهُ، وَمَا هِيَ إِلَّا ضَغْطَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا مَوْجَاتُ النُّورِ مُنْسَابَةً فِي جَنَبَاتِ الْحُجْرَةِ، يَقْضِي حَاجَتَهُ، وَيُوَفِّرُ وَقْتَهُ، فَهَذَا قِسْمٌ.
*وَقِسْمٌ لَا يَدْرِي مَا وَرَاءَهُ، فَهُوَ يَتَلَدَّدُ مُتَحَيِّرًا، وَيَذْهَبُ مُتَخَبِّطًا، يَضِيعُ وَقْتُهُ، وَلَا يَقْضِي حَاجَتَهُ، وَكَذَلِكَ النَّاسُ هُمَ عَلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ وَلَا ثَالِثٍ:
*مُصَمِّمٌ بِعَزْمٍ مِنْ حَدِيدٍ يَدْرِي قَصْدَهُ، وَيُيَمِّمُ صَوْبَهُ.
*وَمُتَلَدِّدٌ مُتَحَيِّرٌ هَالِكٌ، لَا يَدْرِي سَبِيلَهُ، وَلَا يَعْرِفُ دَرْبَهُ.
وَالْمُرْسَلُونَ أَرْسَلَهُمْ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَعْرِفُونَ قَصْدَهُمْ، وَيُيَمِّمُونَ صَوْبَهُ.
لِأَنَّ الْمُجْتَمَعَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِصَلَاحِ أَفْرَادِهِ، وَالْفَرْدُ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِصَلَاحِ عَقِيدَتِهِ وَقَلْبِهِ، فَيَمَّمُوا قَصْدَ الْقُلُوبِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةٌ، إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)).
فَتَوَجَّهَتْ دَعْوَةُ الْإِصْلَاحِ إِلَى الْقُلُوبِ، إِلَى الْأَفْرَادِ، فَإِذَا صَلُحَ الْفَرْدُ؛ صَلُحَ الْمَجْمُوعُ.
وَالْمُسْلِمُونَ مُنُوا وَأُصِيبُوا بِمَعْكُوسِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ أُخْرَى مُنَاقِضَةٍ لِلْأُولَى حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ غَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ سَيِّءٍ إِلَى حَسَنٍ؛ غَيَّرَ اللهُ أَحْوَالَهُمْ مِنْ سَيِّءٍ إِلَى حَسَنٍ، وَإِنْ غَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ حَسَنٍ إِلَى قَبِيحٍ؛ غَيَّرَ اللهُ أَحْوَالَهُمْ، وَأَحَلَّ بِهِمْ نِقْمَتَهُ.
((صِفَاتُ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ الْقَوِيَّةِ فِي كَلِمَةٍ جَامِعَةٍ))
إِنَّ الْبُيُوتَ الْمُلْتَزِمَةَ فِي الْأَرْضِ بِتَوْحِيدِ اللهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ كَأَنَّهَا مِنْ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ، وَأَمَّا الْبُيُوتُ الَّتِي تَتَخَطَّى حُدُودَ الشَّرْعِ وَلَا تَلْتَزِمُ بِأَحْكَامِهِ، وَلَا تَتْبَعُ سُنَنَ رَسُولِهِ ﷺ، فَهَذِهِ مَبَاءَاتُ الشَّيْطَانِ تَكْثُرُ فِيهَا النِّزَاعَاتُ، وَتَدِبُّ فِيهَا الْخِلَافَاتُ، وَالَّذِي يَعْصِمُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ هُوَ طَاعَةُ رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.
المصدر: بِنَاءُ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ الْقَوِيَّةِ وَحِمَايَتُهَا
التعليقات
خطب مفرغة قد تعجبك