مَعَانِي الْأَمَلِ


 ((مَعَانِي الْأَمَلِ))

الْأَمَلُ مَأْخُوذٌ فِي أَصْلِهِ -فِي مَادَّتِهِ- مِنَ التَّثَبُّتِ وَالِانْتِظَارِ، فَكَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْتَظِرُ شَيْئًا آتِيًا، وَقَدْ لَا يَأْتِي أَبَدًا.

وَالْأَمَلُ -أَيْضًا- عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: هُوَ الرَّجَاءُ، وَهَذَا فِيهِ بَعْضُ انْتِظَارٍ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَرْتَجِي مَا سَيَأْتِي بَعْدَ حِينٍ.

فَالْأَمَلُ: الرَّجَاءُ.

وَالْأَمَلُ فِي مَادَّتِهِ -فِيمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ- يَدُلُّ عَلَى التَّثَبُّتِ وَالِانْتِظَارِ؛ وَلِذَلِكَ تَقُولُ: تَأَمَّلْتُ الشَّيْءَ؛ يَعْنِي: نَظَرْتُ إِلَيْهِ مُسْتَبِينًا لَهُ، طَالِبًا الْإِبَانَةَ عَنْ حَالِهِ.

يَقُولُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} [الحجر: 3].

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا : (({وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} أَيْ: يَشْغُلُهُمْ عَنِ الطَّاعَةِ))؛ لِأَنَّ الْأَمَلَ هُوَ الْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا، وَالِانْكِبَابُ عَلَيْهَا، وَالْحُبُّ لَهَا، وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْآخِرَةِ.

هَذَا هُوَ الْمَذْمُومُ؛ لِأَنَّ الْأَمَلَ لَا يُذَمُّ وَلَا يُكْرَهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّهُ لَوْلَا أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ لِلْإِنْسَانِ أَمَلًا؛ مَا اسْتَقَامَتْ لِلنَّاسِ مَعِيشَةٌ، وَمَا اسْتَطَاعَ النَّاسُ الْحَيَاةَ.

غَيْرَ أَنَّ الْأَمَلَ مِنْهُ مَا هُوَ مَذْمُومٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مَحْمُودٌ:

فَالْأَمَلُ الْمَذْمُومُ: أَنْ يَحْرِصَ الْإِنْسَانُ عَلَى الدُّنْيَا، وَأَنْ يَنْكَبَّ عَلَيْهَا، وَأَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لَهَا، مُعْرِضًا عَنِ الْآخِرَةِ، غَيْرَ عَامِلٍ لِلْآخِرَةِ، وَغَيْرَ مُلْتَفِتٍ لِلْبَاقِيَةِ.

وَالْأَمَلُ: هُوَ تَوَقُّعُ حُصُولِ الشَّيْءِ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُسْتَبْعَدُ حُصُولُهُ.

فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مُتَوَقِّعًا لِحُصُولِ شَيْءٍ؛ فَهُوَ مُؤَمِّلُ فِيهِ، فَعِنْدَهُ أَمَلٌ فِي هَذَا الشَّيْءِ الَّذِي يَتَوَقَّعُ حُصُولُهُ.

وَقَدْ يَكُونُ حُصُولُهُ بَعِيدَ الْمَنَالِ جِدًّا؛ لِأَنَّ الْأَمَلَ يَسْتَخْدِمُهُ النَّاسُ دَائِمًا وَأَبَدًا عَلَى حَسَبِ الْعُرْفِ الْغَالِبِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يُسْتَبْعَدُ حُصُولُهُ؛ يَعْنِي: يَكُونُ الشَّيْءُ مُسْتَبْعَدَ الْحُصُولِ جِدًّا، وَالْإِنْسَانُ كَأَنَّهُ فِيهِ عَلَى حَافَّةِ الْيَأْسِ مِنْ حُصُولِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَعِنْدَهُ أَمَلٌ فِيهِ.

فَهُوَ يَحْيًا عَلَى أَمَلِ أَنْ يَحْدُثَ لَهُ شَيْءٌ فِي الْحَيَاةِ؛ وَإِنْ كَانَ هَذَا الشَّيْءُ مُسْتَبْعَدَ الْحُصُولِ لَهُ فِي الدُّنْيَا.

وَطُولُ الْأَمَلِ: هُوَ الِاسْتِمْرَارُ فِي الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا، أَنْ يَسْتَمِرَّ الْإِنْسَانُ فِي الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا، وَأَنْ يُدَاوِمَ الِانْكِبَابَ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا مَعَ كَثْرَةِ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْآخِرَةِ.

فَهَذَا هُوَ طُولُ الْأَمَلِ.

فَطُولُ الْأَمَلِ: الِاسْتِمْرَارُ فِي الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا؛ حَتَّى وَلَوْ عَلَتِ السِّنُّ.

كُلَّمَا تَقَدَّمَ الْإِنْسَانُ فِي الْعُمُرِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُقْبِلًا عَلَى الْآخِرَةِ، مُبْتَعِدًا عَنِ الدُّنْيَا.

*الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمَلِ وَالطَّمَعِ وَالرَّجَاءِ:

وَهُنَالِكَ فَرْقٌ بَيْنَ الْأَمَلِ، وَالطَّمَعِ، وَالرَّجَاءِ:

مَنْ عَزَمَ عَلَى سَفَرٍ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ؛ يَقُولُ: أَمِلْتُ الْوُصُولَ، وَلَا يَقُولُ: طَمِعْتُ، يَعْنِي: الْإِنْسَانُ يُؤَمِّلُ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْبَلَدِ الْبَعِيدِ؛ وَلَكِنَّهُ لَا يَطْمَعُ، لَا يَقُولُ: طَمِعْتُ فِي الْوُصُولِ إِلَى هَذَا الْبَلَدِ الْبَعِيدِ.

الطَّمَعُ يَكُونُ فِي الْقَرِيبِ، وَالْأَمَلُ فِي الْبَعِيدِ، وَالرَّجَاءُ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ.

فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مُقْبِلًا عَلَى شَيْءٍ، وَيَتَوَقَّعُ حُصُولَهُ قَرِيبًا؛ فَهُوَ طَامِعٌ فِي حُصُولِهِ.

إِذَا كَانَ الشَّيْءُ بَعِيدًا مُسْتَبْعَدَ الْحُصُولِ؛ فَعِنْدَهُ أَمَلٌ فِي حُصُولِهِ.

إِذَا كَانَ الشَّيْءُ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ؛ فَعِنْدَهُ رَجَاءٌ فِي حُصُولِهِ.

 

المصدر:الْأَمَلُ

 

 

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  الْأَمَانَةُ فِي الْعَمَلِ
  مَعَانِي التَّضْحِيَةُ فِي دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-
  لَا تَظْلِمُوا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَنْفُسَكُمْ!
  مَثَلٌ مَضْرُوبٌ فِي الْوَفَاءِ!!
  الْوَعْيُ بِتَحَدِّيَّاتِ الْوَطَنِ الرَّاهِنَةِ وَسُبُلِ مُوَاجَهَتِهَا
  الْمَعْنَى الْحَقُّ لِاسْتِفْتَاءِ الْقَلْبِ
  مَحَبَّةُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلُهُ وَهُوَ صَائِمٌ
  إِمَامُ الْأَنْبِيَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ عَلَى الْقِمَّةِ الشَّامِخَةِ
  رِسَالَةٌ مَلِيئَةٌ بِالْأَمَلِ وَالْبُشْرَيَاتِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي كُلِّ مَكَانٍ
  مَبْنَى الشَّرِيعَةِ وَقِيَامُ السُّنَّةِ عَلَى التَّيْسِيرِ
  حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَعْيُنِ أَتْبَاعِهِ
  مَثَلٌ عَجِيبٌ فِي رِقَابَةِ السِّرِّ وَرِعَايَةِ الضَّمِيرِ
  مِنْ مَظَاهِرِ الْإِيجَابِيَّةِ: طَلَبُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ
  الصِّدْقُ مِنْ صِفَاتِ اللهِ، وَمِنْ صِفَاتِ الْمُرْسَلِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ
  بَعْضُ فَضَائِلِ الْحَجِّ
  • شارك